لتصفح أفضل على الموبايل حمل التطبيق الأن

اللغة والقانون.. مصاعب السوق التركية تحبط عمالًا سوريين

اللغة والقانون.. مصاعب السوق التركية تحبط عمالًا سوريين

دون مهنة أو شهادة جامعية، غادر أحمد كمون سوريا متجهًا إلى تركيا، وكان لا يزال حينها في الصف الثالث الثانوي، ليجد نفسه أمام تحدٍ كبير لتأمين حياة كريمة له ولعائلته.

يقول أحمد، الذي يبلغ من العمر اليوم 26 عامًا، إنه أجبر على العمل في معامل للخياطة وتنقل بين مطابع ومطاعم، على اعتبارها أعمالًا لا تتطلب أي خبرات مهنية سابقة.

واجه أحمد في كل مكان انتقل للعمل فيه صعوبات جديدة، فإما أن يخسر العمل نتيجة عدم إتقانه اللغة التركية، أو تحت ضغط ساعات الدوام الطويلة، كحال مئات السوريين في تركيا الذين يمارسون أعمالًا غير تقنية، دون أطر قانونية تحفظ حقوقهم.

إذ لا يتم تسجيل أغلب هؤلاء العمال في وزارة العمل والضمان الاجتماعي التركية، ولا يحصلون على تصاريح عمل، وهو ما يجعل من الصعب إحصاء أعدادهم بالنسبة للدولة.

اللغة عائق

يصف أحمد معاناته التي بدأت مع مشكلة اللغة، إذ لم يتمكن من تعلم التركية، ما دفع بعض أرباب العمل الأتراك إلى عدم قبوله، أو فصله بعد عمله بأسبوع.

حسين حاج حوران (23 عامًا)، وهو عامل في معمل للخياطة، لديه أيضًا معاناة مشابهة، إذ لا يجيد التركية رغم وجوده في مدينة اسطنبول منذ ثلاث سنوات.

يقول حسين، “ضمن العمل إذا كنا سورييَن اثنين، نُمنع من التحدث مع بعضنا بلغتنا، لأن صاحب العمل لا يفهمها. إما أن نتكلم بالتركية أو لا نتكلم”.

إتقان التركية يحسّن من فرص حصول السوريين على عمل، وكانت الحكومة التركية وفرت العديد من المراكز المجانية لتعلم اللغة، لكن أحمد وحسين ليس لديهما الوقت الكافي للانضمام إلى إحدى هذه الدورات.

أزمة الوقت

يتابع أحمد حديثه مدفوعًا برغبة لنقل ما عاناه، “أي تأخير يؤدي إلى مشكلة أو إلى فصلي من العمل، وهنا في اسطنبول أزمة المواصلات كبيرة للغاية، وأحيانًا أكون مجبرًا على العمل في أماكن بعيدة عن منطقة سكني، في هذه الحالة أكون معرضًا للتأخير”.

وبسبب التأخير وقع أحمد في عدد من المشاكل مع أرباب عمله، “في إحدى المرات اضطررت للتأخر نصف ساعة عن دوامي بسبب زحمة الطرقات، فطلب مني رب العمل التركي العودة إلى المنزل، ولولا تدخل الجيران لما استطعت العودة”.

رهام أيوب (23عامًا)، شابة سورية تعمل إلى جانب دراستها في محل لبيع ألبسة الأطفال ضمن مدينة اسطنبول، تقول لعنب بلدي إنها تعاني من ضغط كبير في محاولة موازنة وتقسيم الوقت بين العمل والدراسة.

وفي أيام الامتحان تضطر للذهاب متأخرة إلى عملها وتعويض التأخير وأيام الغياب في الصيف.

مشكلة الوقت أكثر وطأة على السوريين الذين يعملون بظروف غير قانونية، أي دون إذن عمل، فبحسب المحامي السوري، مجد الطباع، المستشار القانوني في شركة تركواز للاستشارات القانونية في اسطنبول، فإن إذن العمل يخول العامل الحصول على الأذونات الساعية والنصف يومية وفق قانون العمل التركي.

أقل من الحد الأدنى للرواتب

العمل لفترات طويلة يرتبط عند عدد من السوريين العاملين لدى أرباب عمل أتراك بالحاجة المادية، ومحدودية فرص العمل ذات عدد ساعات الدوام القليلة.

يقول الشاب أحمد “منذ حوالي ثلاثة أشهر بدأت العمل في محل لبيع الحقائب النسائية، في منطقة سياحية، في مدينة اسطنبول، كان العمل جيدًا، وعندما يكون البيع قويًا نحصل على مكافأة، لكني كنت أعمل لمدة 15 ساعة، وراتبي بسيط مقارنة مع راتب العامل التركي، الذي يعمل ساعات أقل”.

أما حسين، فيقضي 12 ساعة في العمل، مقابل راتب 1400 ليرة تركية (أقل من 300 دولار أمريكي)، وفق ما قاله، مضيفًا “هذه الأجرة لا تكفي للمواصلات وإيجار المنزل مما يجبرني على المشي ساعة كاملة صباحًا ومساءً، لتوفير مصروف المواصلات”.

ويعتبر الراتب الذي يحصل عليه حسين أقل من الحد الأدنى للأجور في تركيا، والذي حددته الحكومة العام الماضي بـ 1603 ليرات تركية، ولكن عدم امتلاكه لإذن عمل لا يمنحه صلاحية مطالبة رب عمله برفع راتبه أو مقاضاته.

وبحسب قانون العمل التركي، يحق للعامل الذي حصل على إذن عمل طلب تعويض نهاية خدمة العمل (راتب تقاعدي)، كما يلزم صاحب العمل بدفع الحد الأدنى من الأجور على أقل راتب، وفق ما قاله المحامي مجد الطباع لعنب بلدي.

إذن العمل والتأمين

يصل عدد السوريين الممنوحين إذن العمل في تركيا حتى عام 2017 إلى أكثر من 20 ألف شخص، بحسب إحصائية صادرة عن وزارة العمل والضمان الاجتماعي التركية في شباط الفائت، من أصل ثلاثة ملايين و583 ألفًا و434 سوريًا يقيمون في تركيا.

ويوفر إذن العمل لحامله تأمينًا صحيًا ويجعله مشمولًا بنظام الحد الأدنى للأجور والتعويضات وغيرها من الامتيازات، التي لا يمتلكها أحمد ورهام وحسين.

ويعتبر المحامي مجد الطباع أن بعض أصحاب العمل الأتراك يمتنعون عن توفير أذونات عمل لموظفيهم من السوريين لأسباب مادية، إذ يترتب على رب العمل دفع 600 ليرة شهريًا عن الموظف كتأمين، ما يجعل السوريين يدًا عاملة غالية السعر في هذه الحالة.

ورغم ذلك، لا يتمكن أغلب العمال السوريين من الحفاظ على أعمالهم لفترات طويلة، ومنهم أحمد الذي خسر عمله مرة جديدة مؤخرًا.

يقول أحمد، “أخبرني صاحب العمل أنني شاب جيد وعملي ممتاز، لكن قلة الموارد ستدفعه للاستغناء عني”، ليكتشف بعدها أن شابًا جديدًا يتكلم اللغة التركية سيحل مكانه.