لتصفح أفضل على الموبايل حمل التطبيق الأن

تركيا وأزمة اللاجئين السوريين: مثال للإنسانية

تركيا وأزمة اللاجئين السوريين: مثال للإنسانية
Image

مولود جاويش أوغلو - دورية السياسة التركية 

اتـفـاق 18 مـارس بيـن تـركـيا والاتـحـاد الأوروبـي

وحيث أن تركيا تتحمل العبء الأعظم لأكبر عدد من اللاجئين في العالم، فإننا فخورون أيضا بإيجاد السبل وعرضها لتخفيف المسؤولية عبر العمل المنسق. وفي هذا الصدد يمكن لاتفاق 18 آذار/ مارس أن يكون نموذجا يحتذى لأجزاء أخرى في العالم للتعامل مع الهجرة غير النظامية. تدل الأرقام على نجاح الاتفاق، كما أن هذه الارقام ضرورية في إظهار الجوانب المثالية للاتفاق. وفي حين كان هناك في نفس الفترة من العام الماضي 7000 معبر غير نظامي في اتجاه الاتحاد الأوروبي، فإننا تمكنا بعد 18 مارس من تثبيت هذه الموجات، وخفضها أضعافا مضعفة. وعلى الرغم من استمرار عدم الاستقرار في منطقتنا، فإننا تمكنا من السيطرة على حركات الهجرة عبر تركيا.

ما من شك في أن أهم إنجاز لاتفاق 18 مارس هو إنهاء الخسائر في الأرواح في عرض البحر. في عام 2015 فُقد قرابة 1000 شخص في بحر إيجة بسبب الرحلات الخطرة في اتجاه الاتحاد الأوروبي، وكان المعدل أكثر قسوة في بداية عام 2016 إذ فُقد قرابة 400 شخص في الأشهر الثلاثة الأولى من العام، بينما فقد ثمانية مهاجرين فقط من المهاجرين غير الشرعيين حياتهم في المياه التركية على بحر إيجة منذ 18 مارس، وسوف نستمر في بذل قصارى جهدنا لمنع الموت في بحارنا.

ونتيجة لذلك حوّلنا بحر إيجة إلى منطقة للاستقرار والتضامن. ونحن ندين بهذا الإنجاز إلى نهجنا ذي المنحى الإنساني الذي يسعى إلى مستقبل ومصير أفضل لمن نضيفهم. إن تركيا مستعدة لتقاسم تجربتها مع المجتمع الدولي، وشرح خبرتها الجيدة في مجال مكافحة الهجرة غير الشرعية.

الـهجرة والانـدمـاج

لا تهدف تركيا إلى إنقاذ الارواح وتوفير الملاذ الآمن للسوريين فقط، ولكنها تأمل أيضا في تحسين ظروفهم المعيشية وضمان اعتمادهم على أنفسهم، وتبقَى سلامتُهم وكرامتُهم أولويةً لنا. وبناء على ذلك نعمل على خلق ظروف مواتية للسوريين للمشاركة بفاعلية في الحياة الاجتماعية والاقتصادية.

يضبط القانون المتعلق بالأجانب والحماية الدولية تنسيقَ السياسيات الأساسية في تركيا. وفي هذا الصدد فإن دورات اللغة التركية، والتعليم، والتدريب المهني، ودخول سوق العمل، والحصول على الخدمات الاجتماعية والصحية، والقبول الاجتماعي، واتخاذ التدابير المتعلقة بمكافحة التمييز وكراهية الأجانب والعنصرية هي المكونات الرئيسة لسياسة الاندماج في تركيا.

عندما ننظر إلى  الوضع على الأرض، فإننا نرى أولا أن قدرة الشعب السوري على العيش خارج المخيمات تجنبهم العزلة. تعيش الغالبية العظمى من السوريين في مختلف المحافظات جنبا إلى إلى جنب مع المجتمع التركي. أظهر مواطنونا تعاطفهم، ورحبوا بإخوانهم وأخواتهم الذي فروا من الحرب والعنف في بلدهم.

وبفضل هذا النهج  يتفاعل المجتمع الضيف مع المجتمع المضيف، ويتكيف على نحو أفضل. ومن ثم فإننا تمكنا من التغلب بنجاح على التحيز أو أعمال التعصب، وهذه مساهمة مهمة في تحقيق التماسك  والسلام المجتمعي. نعتقد أنه يمكن التغلب بهذه السياسات على الحركات المعادية للهجرة والمعادية للاجئين.

وفيما يتعلق بالاندماج الاقتصادي للسوريين، فقد سمحت لهم تركيا بدخول سوق العمل منذ أول يناير/كانون الثاني 2016، كما أننا نعطي الأولوية لدورات التدريب المهني ولا سيما للشباب السوري. وحتى الآن حضر أكثر من 75 ألف سوري هذه الدورات، وبدؤوا في بناء مستقبلهم وتكوين حياتهم الخاصة.

إن اندماج اللاجئين في الواقع جانب مهم في إدارة الهجرة، حيث إن الإدراة الجيدة للهجرة لا تفيد المهاجرين أنفسهم فقط، بل تفيد أيضا بلدانهم الأصلية ودول الاستقبال. وعلى ذلك فإن إخواننا السوريين المقيمين في تركيا لديهم فرصة نفيسة لإثراء رأس المال البشري في تركيا.

وعلى غرار تركيا ينبغي لجميع الدول أن تتحمل المسؤولية في دعم إدماج المهاجرين، والتصدي لظاهرة التمييز والعنصرية وكراهية الأجانب، وتعزيز التأثير الإيجابي للهجرة في التنمية سواء في بلد المهاجرين الأصلي أو بلد الاستقبال.

نـداء إلـى الـمجتمع الـدولـي 

وبناء على تجربة بلدي الفريدة والمشرفة المتعلقة باللاجئين عموما، والقضية السورية خصوصا، فإننا ندعو المجتمع الدولي إلى التفكر والمساهمة بالطرق التالية لمعالجة الأزمة الجارية:

* إن الدول المحاذية لسوريا، وفي مقدمتها تركيا تتحمل حتى الآن حصة غير عادلة من العبء الإنساني للنزاع السوري. لا ينبغي أن تُترك هذه الدول وحدها في التعامل مع هذه الأزمة الإنسانية التي تتطلب شراكة حقيقة بين جميع أعضاء المجتمع الدولي. هناك حاجة إلى عمل عالمي مشترك.

* لا ينبغي أن يُستغل القرب الجغرافي ذريعة لجعل الدول المجاورة لمناطق النزاع مسؤولة وحدها، حيث يحتاج المجتمع الدولي إلى تقاسم المسؤولية والعبء تقاسما عادلا، وينبغي تقديم مساعدات مالية باستمرار إلى البلدان المضيفة للاجئين التي تكافح من أجل ضيافة أعداد هائلة.

* ينبغي لجميع الدول أن توفر الحماية لمن يحتاجون إلى الحماية الدولية، بحيث يستطيع طالبو اللجوء الحقيقيون ممارسة حقوقهم المنبثقة عن الاتفاقيات الدولية ذات الصلة.

* البرامج الفعالة والسريعة والعادلة لإعادة توطين اللاجئين تعد أمرا ضروريا. إن إعادة التوطين فرصة تعطى للاجئين من أجل بداية جديدة متجددة، فهي تسهل حركة اللاجئين بطريقة قانونية وآمنة ومنظمة. إذا تم توفير أماكن كافية في الوقت المناسب من خلال هذا المسار من إعادة التوطين، فإن الناس لن يختاروا الهجرة غير الشرعية.

* إن منح الحماية المؤقتة يمكن أن يكون خيار آخر بالنسبة إلى كثير من بلدان الاستقبال التي تنتابها مخاوف من منح صفة لاجئ لطالبي اللجوء لأسباب سياسية داخلية.

* لا يجب النظر إلى اللاجئين على أنهم تهديد أمني، إذ إن تلك النظرة لن تؤدي إلا إلى مزيد من توظيف الهجرة أمنيا، وإلى سياسات مقيدة للهجرة. إن إغلاق الحدود وبناء الأسوار هي تدابير مؤقتة تتجاهل جوهر المشكلة، ولا تُغير الأسباب الرئيسة للهجرة الجماعية.

* ينبغي للدول المستقبلة للمهاجرين أن تعتمد سياسات شاملة مناهضة للتمييز لمواجهة نزعات العنصرية وكراهية الأجانب.

* وأخيرا وليس آخرا، فمن أجل إيجاد حل دائم لأزمة الهجرة يجب أن نعالج جذور المشاكل المتسببة في الموجات الهائلة من النزوح القسري، وأن ندعم عمليات السلام، ونشجع التسوية السلمية للنزاعات في المناطق التي تعاني من الصراع.

لكن الأمر الأهم في الاستجابة لأزمة اللاجئين، أننا لا ينبغي أن ننسى أننا لا نتعامل مع أرقام وإحصائيات بل نتعامل مع بشر يحتاجون إلى الحماية. إن المسؤولية المشتركة للإنسانية أن تجد حلولا دائمة بوضع قيمنا الإنسانية في المقدمة.