لتصفح أفضل على الموبايل حمل التطبيق الأن

مؤشرات إيجابية بخصوص الاقتصاد التركي

مؤشرات إيجابية بخصوص الاقتصاد التركي

على أرضية مشاكل بنيوية في الاقتصاد التركي وبتحريك من العقوبات الأمريكية على أنقرة، تعاني الأخيرة على مدى الأسابيع القليلة الماضية من أزمة مالية تتفاوت التقديرات في درجتها وتأثيرها. ورغم ذلك، فإن هناك أموراً لا يختلف عليها المتابعون وذوي الاختصاص كثيراً، أهمها العجز في الحساب الجاري من جهة وحاجة تركيا لأموال «ساخنة» من جهة أخرى، إضافة إلى أن معالجة العوامل السياسية التي كانت محرك الأزمة الأخيرة قد تساهم في تخفيف حدتها على أقل تقدير.

على صعيد التعامل مع الأزمة، ركزت الحكومة التركية على أسبابها الخارجية معتبرة ما حصل «حرباً اقتصادية» عليها تستدعي التكاتف الداخلي، مؤكدة بأن الاقتصاد التركي أقوى بكثير من بعض التقييمات المتعجلة التي صدرت، وأنه قادر على تخطي الأزمة وعلاجها على المديين القريب والمتوسط.

سريعاً، بحثت الحكومة التركية عن قروض واستثمارات خارجية، وجدت بعضها لدى الصين وتامل أن تثمر علاقاتها المتحسنة مؤخراً مع بعض الدول الأوروبية عن فرص جديدة، كما أنها تعول على ترطيب العلاقات مع واشنطن كما جاء في كلام اردوغان أكثر من مرة وكما أوحى بذلك اللقاء السريع – ولكن الإيجابي – الذي جمعه مع ترمب خلال اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة.

فيما يتعلق بعلاج المشكلات الاقتصادية على المديين المتوسط والبعيد، أعلنت وزارة المالية والخزانة عن خطتها متوسطة الأمد، والتي تضمنت أهدافها وكذلك توقعاتها للاقتصاد التركي بما أعطى انطباعاً بفترة من الانكفاء أو المراوحة في الاقتصاد التركي حتى عام 2020 قبل أن يعود للانتعاش في 2021.

خلال الأسابيع القليلة الأخيرة، سُجِّلت بعض المؤشرات الإيجابية المتعلقة بالاقتصاد التركي وبما يرتبط مباشرة بالأزمة المالية. أولها كان استقرار سعر صرف الليرة التركية مقابل العملات الأجنبية بعد فترة من التراجع والتذبذب، بل وتحسنها نسبياً وصولاً إلى ما دون قيمة الـ 6 مقابل الدولار الواحد قبيل كتابة هذه السطور. وهو التحسن الذي يرجعه الكثيرون للتصريحات الإيجابية المتبادلة بين أنقرة وواشنطن مؤخراً بخصوص العلاقة من جهة، وتوقعات انفراجة وشيكة فيها مع اقتراب جلسة محاكمة القس برونسون من جهة أخرى.

المؤشر الثاني، والأهم، متعلق بعجز الحساب الجاري بين الواردات والصادرات والذي قدم على أنه أحد أهم أسباب الأزمة المالية الحالية. فقد سجلت إحصاءات الشهور الثلاثة الأخيرة، ازدياداً في الصادرات وتراجعاً في الواردات بالمقارنة مع إحصاءات العام الفائت، ما يضيَق الهوة بينهما ويقلل من العجز.

فقد سجل شهر تموز/يوليو الفائت زيادة في الصادرات التركية بنسبة %11.6 عن العام الفائت لتصل إلى 14.7 مليار دولار، في مقابل تراجع الواردات بنسبة %6.7 لتصل إلى 20.5 مليار دولار، وليتراجع العجز بنسبة %32.6 بقيمة 6 مليارات دولار، ولتصل نسبة الصادرات من الواردات إلى %70.2.

وبينما تراجعت الصادرات في آب/أغسطس الفائت بنسبة %6.5 لتصل إلى 12.4 مليار دولار مقارنة مع العام الماضي، تراجعت الواردات بنسبة %22.4 بقيمة 14.8 مليار دولار، ليسجل عجز التجارة الخارجية تراجعاً بنسبة %59 بقيمة 2.4 مليار دولار، ولتكون نسبة الصادرات من الواردات %83.3.

وأخيراً، في أيلول/سبتمبر، سجلت الصادرات زيادة بنسبة %22.6 عن العام الفائت، وهي زيادة قياسية وفق تصريح وزيرة التجارة روخصان بيكجان، لتصل إلى 14.5 مليار دولار، في مقابل تراجع الواردات بنسبة %18.1 لتصل إلى 16.4 مليار دولار، وليتراجع العجز في التجارة الخارجية بنسبة %76.85 بقيمة 1.9 مليار دولار، ولتصل نسبة الصادرات من الواردات إلى %88.4.

تشير هذه الأرقام بوضوح إلى تراجع العجز الجاري بشكل ملحوظ في الأشهر الثلاثة الأخيرة، وبالتالي إلى توفر سيولة أكثر للحكومة مقارنة مع العام الفائت، ولكن مع ملاحظة تراجع الواردات بشكل ملحوظ. وهو ما يعني أن هذه الإحصاءات تحتمل ثلاثة سيناريوهات، الأول أن يكون ذلك تم وفق رؤية حكومية لتقليل النفقات وجَسْر العجز وتأمين السيولة، والثاني أن يكون ذلك ظرفاً مؤقتاً نتيجة للظروف الاقتصادية الحالية أو غيرها من الأسباب، والثالث هو أن يكون نتيجة لقلة السيولة وعدم القدرة على الاستيراد.

ولعله من المهم القول إن تخفيف العجز الجاري ليس هدفاً مستقلاً بذاته وتحقيقه لوحده لا يكفي لحل الأزمة (فضلاً عن أن يعتمد معياراً وحيداً لتقييم حالة الاقتصاد التركي)، إذ أنه من المهم التنبه إلى أن حجم التجارة الخارجية – وفق الأرقام السابقة – قد تراجع بنسبة %15.9 في آب و%2.99 في أيلول بعد أن زاد بنسبة %0.33 فقط في تموز.

ويتناغم ذلك مع التوقعات المتراجعة لنسبة النمو في الاقتصاد التي أصدرتها وزارة المالية والخزينة مؤخراً، والتي أوحت بما يمكن تسميته سياسة التقشف الحكومي في الفترة الحالية وحتى حين.

في الختام، وبناء على ما سبق من عوامل سياسية وتغيرات مالية واقتصادية، فإن الشهرين المقبلين، تشرين الأول/أكتوبر وتشرين الثاني/نوفمبر، سيحملان جزءاً لا يستهان به من الإجابة عن المسار المستقبلي لهذه المتغيرات. إذ سيشملان أرقاماً جديدة فيما يتعلق بالصادرات والواردات من جهة ومصير القس برونسون والموقف التركي من العقوبات الأمريكية المفترضة على طهران من جهة أخرى، بما يعطي صورة أوضح عن التوجهات المستقبلية لاقتصاد تركيا وأزمتها المالية، بينما لا تعطي المؤشرات سالبفة الذكر صورة دقيقة أو كاملة أو نهائية حولهما.